المؤيدون والمعارضون لتدريس العلوم الطبيعية بالانجليزية
هناك سؤال فلسفي له جانب تربوي يتعلق بمدى ارتباط اللغة بالمادة (المحتوى)؛ فهل هناك علاقة بين اللغة (أي لغة)وبين المادة التي تنقلها؟ وإن وجدت هذه العلاقة، فما مدى تأثيرها على المادة وعلى المتلقّي؟ وعند افتراض وجود تأثير للغة نفسها على المتلقي؛ فهل هذا الأثر ناتج من طبيعة المادة أم أنه راجع إلى اللغة؟
ولتوضيح الأمر بصورة عامة، يمكن إيراد مثال على مادة علمية تُدرّس في أحد الأقسام الجامعية وتتضمن معلومات ومعارف عربية؛ ويقوم على تدريسها باللغة العربية أساتذة سعوديون وعرب. وحينما نرجع إلى خلفيات الأساتذة عن هذه المادة فسنجد أنهم تعلّموها في الأصل بلغات مختلفة، فهناك من درَسها باللغة الانجليزية في أمريكا أو بريطانيا، وهناك من تعلّمها باللغة الألمانية، وهناك من تعلّمها باللغة الفرنسية، وثمة من تعلّمها باللغة العربية. وفي هذا المثال أربع لغات مختلفة نقلت المادة؛ والسؤال هنا: هل يختلف فهم كل شخص للمادة وفقًا لاختلاف اللغة التي تعلم بها؟ أم أن المادة هي العنصر الثابت والمتغير هو اللغة؟
ويمكن تلخيص التساؤل بالقول إنه لو افترضنا أننا أخضعنا عددًا من المتعلمين ممن يتّصفون بسمات عقلية ونفسية متقاربة، وطلب منهم أن يتعلموا موضوعًا معينًا (في الكمبيوتر مثلا)، ثم تعلّم كل فرد منهم ذلك الموضوع بلغة من اللغات الأخرى التي تختلف عن لغته الأصليّة؛ فهل سنجد فروقًا في الفهم بين هؤلاء وبين من تعلّم الموضوع بلغته الأصلية؟ والحقيقة أن دراسة هذه المتغيرات متصلة بنسبة كبيرة بالجانب المعرفي للفرد، ولكن قيمة اللغة تبرز من اعتبارات تتعلق بإتقان الفرد لتلك اللغة من جهة، وبقدرة اللغة ذاتها على إعطاء تعريف دقيق لموضوع الدراسة من جهة أخرى.
ويترتّب على الأسئلة السابقة سؤال تربوي هو: هل المطلوب إيصال المعلومة أم إيصال اللغة؟ فإن كان المطلوب إيصال المعلومة فإن اللغة تكون مجرد وسيلة نقل وليست غاية في ذاتها؛ وإن كان المطلوب إيصال اللغة فإن الموضوع يصبح مجرد أداة لخدمة اللغة ويمكن استبداله بموضوع آخر متى ما اقتضت الحاجة.
والحقيقة أن تدريس العلوم الطبيعية بغير اللغة العربية (الانجليزية والفرنسية)، وعلاقة ذلك بالتأثير الثقافي والمعرفي على المتلقّي كان ولايزال مدار نقاش وحوار في الأوساط الثقافية في مجتمعنا منذ أن أعلنت وزارة التربية والتعليم عن نيتها تدريس الرياضيات والعلوم بغير العربية. ومن يتابع مناقشة هذا الموضوع على مستوى الصحافة والانترنت والمجالس والمنتديات الثقافية يلاحظ أن آراء الناس متباينة حول هذا الموضوع كما هو الحال في أي موضوع جديد يطرأ على حياتنا. ومن الطبيعي أن تبرز أصوات معارضة للقرار وأخرى مؤيّدة تردّ على المعارضين لتفنيد آرائهم وتأييد القرار، وأخرى تحاول أن تكون توفيقية بين الطرفين.
والواقع أن هذا القرار قد سبقه إعلان آخر يخوّل المدارس الأهلية بأحقيّة تطبيق برامج تعليمية دولية تختلف عن منهج التعليم الحكومي في المحتوى، أو الطريقة، أو لغة التعليم باستنثاء مادتي التربية الإسلامية واللغة العربية. ولهذا فإن هناك تداخلا بين هذين القرارين عند الحديث عن موضوع التدريس باللغة الانجليزية في مدارس التعليم العام.
ولأن الناس تفضّل التصنيف ووضع الناس في قوالب معينة حسب آرائهم ومواقفهم، فقد عُدّ المعارضون لاستخدام الانجليزية لغة لتدريس العلوم على أنهم محافظون، وفُسّر موقفهم على أنه تخوّف من الجديد أو رهبة من غير المألوف. في حين نُظر إلى المؤيدين على أنهم منفتحون على الطرق الحديثة في مناهج التعليم ويسعون إلى الإفادة من اللغات الأخرى في العلوم على اعتبار أن الجامعات عندنا ومنها جامعة الملك سعود وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن وغيرهما من الجامعات التي تُدّرس الرياضيات والعلوم من سنوات عديدة بالانجليزية ولم يترتب على ذلك خطر أو ضرر على المستهدفين.
وعند مقارنة آراء الطرفين نلاحظ أن أساس الاختلاف يرجع إلى أمرين: الأول يتعلق بطبيعة اللغة والأمر الآخر يتّصل بالثقافة التي تحملها اللغة. أما الموضوع أو المادة فلم يكن التركيز عليها محل جدل كبير بين الطرفين. وقد حملت بعض الآراء الإشارة إلى تميّز العربية وقدرتها على نقل المصطلحات العلمية والأجنبية التي لم تنشأ فيها، وبلغ الأمر بالبعض إلى التقليل من لغات أخرى مقارنة بالعربية. وهذا فهم لا يتفق مع طبيعة اللغة البشرية وخصائصها. أما العنصر الثقافي الذي ليس له علاقة مباشرة لا باللغة ولا بالموضوع فقد لقي اهتمامًا أكبر من الطرفين؛ فنجد التركيز على موضوع الهوية (الإسلامية، والعربية، والوطنية)حاضرًا في أغلب النقاشات. والواقع أنه يصعب اعتبار هذا الجانب مرجعًا فاصلا بين الطرفين لأن موضوع الهوية والأثر والتأثير الثقافي من الموضوعات غير المنضبطة في هذه القضية بسبب اعتمادها على التأويل الذي يتغير ويتنوع بحسب رؤية كل شخص.
وبالعودة إلى النقاشات حول الموضوع، يلاحظ أن المعارضين للقرار قد بذلوا مجهودًا أكبر من المؤيدين، يظهر ذلك من كثرة المقالات المعارضة مقارنة بالمؤيدة، إضافة إلى أن الشخص الواحد من المعارضين ربما كتب أكثر من مقالة في الموضوع نفسه. واللطيف في الأمر أن أبرز المعارضين للقرار ليس عندهم مشكلة مع اللغات الأجنبية ذلك أنهم يتقنون على الأقل لغة أجنبية واحدة لكونهم حصلوا على درجاتهم العلمية من الغرب؛ وفي المقابل يوجد عدد من المؤيدين للقرار ممن يتقنون اللغة العربية وحدها. والملاحظة الأخرى هي أن هذا الموضوع قد جمع المتخاصمين فكريًا مع بعضهم في معارضة القرار؛ وفرّق المتّفقين فكريًا فيما بينهم.
وثمة ملاحظة حول تخصص المعنيين بهذا الموضوع، فنجد أن الذين تناولوا القضية هم إما لغويون ينطلقون من تخصصهم في اللغة العربية وعلومها، وإما تربويون ينطلقون من خبرتهم ومعرفتهم بالتربية والتعليم؛ وثمة فريق آخر لهم تخصصات أخرى ليست لغوية ولا تربوية ومع هذا فإنهم يشاركون في الموضوع من جانبيه المعارض والموافق.
ومن هنا يبرز تساؤل مرتبط بهذه القضية وهو: هل منطق السؤال عن جدوى التدريس بغير العربية أو أهميته أو قيمته أو ضرره هو سؤال لغوي أم سؤال تربوي؟ ولتوضيح الأمر يمكن وضع السؤال بهذه الصيغة: هل النفع المتوقع أن يكتسبه الطالب من تعلّم الرياضيات والعلوم بغير العربية هو نفع لغوي أم نفسي أم ثقافي؟ وهل الضرر المفترض هو ضرر يقع على اللغة أو على الشخصية أو على الثقافة؟ ومن تتبع المقالات التي تناولت الموضوع يلاحظ أن الجوانب الثلاثة السابقة قد غطيت عند الطرفين، فهي إيجابية عند المؤيدين وسلبية عند المعارضين.
وأخيرًا يبقى تناول هذه القضية مجالا مفتوحًا لتقديم الآراء المتباينة؛ ولاشك أن النقاش والحوار حول القضية يعدّ ظاهرة صحيّة تعكس التنوّع الفكري واختلاف الخبرة. وعلى متّخذي القرار في وزارة التربية والتعليم مراعاة تلك النقاشات لأنّها تمثل جزءًا من رأي مثقفي البلد
منقول