نظرية العلم الإسلامية
نحو حضارة إسلامية مستقبلية
أساسها الدين والعلم
إعداد
الدكتور أحمد فؤاد باشا
أستاذ الفيزياء
مقدمــة :
كلمة "العلم" التي نعنيها في هذه الورقة تطبق مجازا على ما يجب أن يسمى "بالمعرفة العلمية" ويقصد منها في معناها العام أنها لفظ كلي لا يدل على علم محدد بالذات بقدر ما يعني عدة خصائص أو صفات مشتركة في كل نشاط عقلي إنساني حين ينصرف بشكل منظم إلى محاولة تفسير موضوعات معينة, تماما كما تعني كلمة "إنسان" عدة خصائص أو صفات تنطبق على بني الإنسان. ومن الطبيعي أن ينصب اهتمامنا في الأساس على تلك العلوم الطبيعية والرياضية التي تتناول الظواهر الجزئية في الطبيعة الحية والجامدة, وتدرسها بمناهج علمية لتضع لها قوانين تفسرها تفسيرا عقليا أو منطقيا. وتعتبر الفيزياء المعاصرة بفروعها المختلفة أعلى مراحل تطور العلم, من حيث المنهج والنظرية على حد سواء, ومن ثم يعول عليها كثيرا في استخلاص الأمثلة والدلائل عند الحديث عن النموذج المثالي للعلم الطبيعي.
أما الدراسات الإنسانية أو الاجتماعية التي تتناول أحوال الإنس ان منفردا أو مجتمعا بغيره فإنها عادة لا تندرج تحت العلوم الاستقرائية والاستنباطية إلا إذا استخدمت نفس مناهجها العلمية. لذلك نزعت بعض العلوم الإنسانية . كعلم النفس وعلم الاجتماع . إلى محاكاة العلوم الطبيعية باصطناع مناهج تجريبية واستخدام أدوات وأجهزة للبحث. ويرد البعض هذا الاتجاه إلى الارتقاء بالعلوم الإنسانية ليصبح لها من النفع في المجال العلمي وخدمة البشرية ما للعلوم الطبيعية والرياضية من سيادة وتفوق في فهم الظواهر الطبيعية التي تم اكتشافها, وذلك انطلاقا من الاعتقاد بأهمية المنهج التجريبي في تقدم المعرفة العلمية.
وكلمة "التقنية" التي نقصدها هنا يراد بها . بحكم الجزأين المكونين لكلمة تكنولوجي Technology . ذلك العلم التطبيقي الصناعي الذي يتم تحصيله بواسطة الأجهزة العلمية, وهي تدل في الأصل على مختلف طرائق المعالجة العلمية في الفنون عموما, وفي البحث العلمي على وجه الخصوص, وقد شاع استخدامها حديثا لتجسد عملية تحويل القوانين والاكتشافات العلمية التي تحكم العالم الطبيعي والاجتماعي إلى منجزات واقعية يسخرها الإنسان لخدمة أغراضه ومصالحه. ومع دخول التقنية كواقع معاش في حياتنا المعاصرة, وكمصطلح أساسي يتكرر على كل لسان, اصبح من الضروري لأي باحث مدقق ألا يغفل عن طبيعة العلاقة الوثيقة المتبادلة بين أي من العلوم الأساسية ومنتجاتها التطبيقية واستخداماتها العملية, وذلك لأن التقنية الحديثة قد قدمت لمجالات البحث العلمي من الأدوات والأجهزة ذات الكفاءة العالية ما أتاح الفرصة للحصول على بيانات ونتائج فائقة الدقة, وساعد على كشف وقائع ونظريات جديدة في مختلف مجالات النشاط الإنساني, وكل هذا من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى نقطة حرجة يصعب عندها تفسير المعطيات العلمية الجديدة باستخدام المفاهيم والنظريات القديمة.
ويتوقع المحللون لنتائج الأبحاث الجارية خلال العقدين الأخيرين, وخاصة في مجال الفيزياء والبيولوجيا والفلك والرياضيات والمعلومات. أننا على موعد مع ثورة علمية هائلة يتهاوى تحت معاولها أساس الكثير من النظريات والمذاهب الوضعية السائدة حاليا, ويطرأ بسببها تحول كبير على وعي الإنسان وتصوره لنفسه وللعالم.
من هنا تظهر أهمية الدعوة إلى صياغة نظرية عامة للعلم والتقنية في إطار من التصور الإسلامي السليم, لكي تواكب حركة الصحوة الإسلامية المعاصرة, وتكون إحدى مقوماتها الأساسية, انطلاقا من حقيقة أن المنهج العلمي الإسلامي سيكون هو الأقدر على تهيئة الإنسان لكل ما يمكن أن تسفر عنه الثورة العلمية والتقنية المرتقبة في المستقبل القريب أو البعيد.
ولا شك أن موضوعات هذه القضية كثيرة ومتشعبة وتحتاج إلى جهود المخلصين من ذوي التخصصات المختلفة لإجراء دراسات تفصيلية متأنية وفق منهج علمي تحليلي مقارن, وتدعو هذه الورقة إلى ضرورة إجراء دراسات أكاديمية متأنية لما نراه مدخلا علميا أساسيا لهذه القضية, وذلك على النحو التالي:
أ ـ تحليل طبيعة العلاقة بين ثلاثية العلم والفلسفة والدين.
ب ـ إيضاح أهمية أن تكون هناك نظرية للعلم والتقنية من خلال تصحيح المفهوم الشائع لدى كثير من فلاسفة العلم حول هذه النظرية والتحليل التاريخي لنشأتها ومراحل تطورها.
ج ـ توصيف الواقع العلمي والتقني المعاصر بإلقاء الضوء على أهم مجالات البحث العلمي التي تنبئ بميلاد نظريات علمية جديدة على أنقاض النظريات والمفاهيم السائدة.
د ـ محاولة تحديد ملامح الثورة العلمية والتقنية المرتقبة وأثرها المباشر على الإنسان.
هـ ـ تقديم تصور عام عن أهمية الخصائص المميزة لنظرية إسلامية في المعرفة العلمية والتقنية تسهم في بناء نموذج عصري, أو نماذج معاصرة, للحياة وللتنمية والتقدم في إطار الفكر الإسلامي الرشيد وطبقا لمباديء الإسلام.
الخصائص العامة لنظرية إسلامية في العلم والتقنية
استعرضنا أهم الأسس . في نظرنا . التي يقوم عليها التفكير في صياغة نظرية عامة للمعرفة العلمية والتقنية—وعندما تكون النظرية المنشودة واقعية إسلامية, فإنه يلزم صياغتها في إطار من التصور الإسلامي السليم, المستمد من القرآن الكريم والسنة الشريفة, والجامع لأصول التراث وروح المعاصرة. هذا هو الأساس الذي يجب أن تنطلق منه العقيدة الإسلامية بوجه عام, امتثالا للأمر الإلهي الذي بدأت به رسالة الدين الخاتم في قوله تعالى: " اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم " (العلق: 1 ـ 5).
إذ لا يمكن أن تبدأ آخر الرسالات السماوية لبني آدم على هذه الأرض بهذا الأمر الإلهي إلا إذا اتسعت دائرة دلالته اللفظية وامتدت لتشمل كل ما يأتيه الإنسان في الجانب الإيجابي, وكل ما يدعه الإنسان في الجانب السلبي, مجردا في الأسباب والغايات لله الخالق سبحانه وتعالى أما تفصيل ذلك من جميع جوانبه فقد جاء في الدستور الإلهي: "الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (هود: 1). وإطلاق هذا المعني الشمولي لكلمة "اقرأ " وعلاقتها بالنص القرآني على هذا النحو هو ما يجب الأخذ به, خاصة إذا ما سلمنا بحقيقة أن الإعجاز القرآني يمنح الألفاظ العربية عمقا وامتدادا في المدلول والمعنى, ويكسب المفردات اللغوية مرونة وصلاحية للتعبير عن مختلف المعاني الطارئة في حياة الناس, فالمعنى القرآني لا نهائي والفهم البشري محدود, ولكنه مستمر بتتابع الأجيال.
بالإضافة إلى هذا, فإن الصياغة الإسلامية لنظرية في العلم والتقنية لا تقتصر خصائصها على ضمان مواصلة التقدم القائم على المنهج العلمي السليم, لكنها تمنح للباحث من الأسباب والمقومات ما يساعده على تنمية طاقاته الإبداعية في الكشف والابتكار, وفي مقدمة هذه الأسباب والمقومات التي يقضي بها المنهج الإسلامي في البحث والتفكير يأتي الإيمان الخالص الذي يجعل العقل أقدر على كشف الحقيقة العلمية, وأكثر تهيؤا لاستقبالها وقبولها, ويمد أمامه آفاقا جديدة لم تكن في الحسبان, فيميط اللثام بإذن الله تعالى عن الأسباب الخفية والأسرار الكامنة من العلم الإلهي الشامل وراء مظاهر الكون والحياة, وذلك مصداقا لقوله تعالى: " واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (البقرة: 282), وقوله عز من قائل: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم * لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم "(الحديد: 28 ـ 29).
وفي ضوء هذه الحقائق الإيمانية يرى شيخ الإسلام ابن تيمية ان التعليم لا يحصل كله بالاستعداد والجد, وأن هناك جزءا طبيعيا يتلقى بالفتح من الله, وكان ابن سينا يقول: "كنت كلما تحيرت في مسألة ترددت على الجامع وصليت وابتهلت إلى مبدع الكون حتى فتح الله لي المنغلق وتيسر المتعسر...", وحتى في العصر الحاضر, نرى أن محمد عبد السلام . الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1977 م . يقول عن نظريته في توحيد القوى: "إن بحثنا عن الوحدة التي تجمع بين الطبيعة التي تبدوا متباعدة إنما هو جزء من إيماننا كفيزيائيين ومن إيماني كمسلم", أما المفكر الفرنسي روجيه جارودي فيرى أن الإنسان إذا عرف الإيمان عن طريق العقل والقلب أثمرت له هذه المعرفة ثمارا يانعة, كما أنه يرى في المنهج الإسلامي, الذي سبق أن أنقذ إمبراطوريات كبرى متهافتة من الفناء في القرن السابع الميلادي, أن بمقدوره اليوم توفير حلول لهذا القلق الذي تعاني منه حضارة غربية لم تنجح إلا في أن تحفر قبرا للعالم كله.
خاتمة
في ضوء ما سبق, يمكن أن نخلص إلى أن الصياغة الإسلامية لنظرية في المعرفة العلمية والتقنية يجب أن تخضع لدراسات متأنية في عدة موضوعات متعلقة بطبيعة التطور التاريخي لمفهوم العلم والتقنية, مثل :
1ـ تصنيف العلوم وتأصيل منهجية الفكر الإسلامي.
2ـ تنقية التاريخ العلمي للحضارة الإسلامية من مزاعم المستشرقين والمؤرخين, وتنقية العلوم جميعها من المفاهيم المعارضة لروح الدين الإسلامي الحنيف.
3ـ المعالجة الإسلامية لمختلف جوانب العلوم المعرفية والاجتماعية والقيمية والتاريخية والانطولوجية وغيرها.
4ـ الانطلاق في جميع عمليات التفكير العلمي من مسلمتي التوحيد الإسلامي والنظام الكوني, وربطهما باطراد الظواهر الطبيعية واحتمالية صدق الكشوف العلمية.
5ـ صياغة أدوات وعناصر كل من المنهج الاستقرائي والمنهج الاستنباطي والمنهج الفرضي . الاستنباطي المعاصر في إطار إسلامي, مع بيان شمولية هذا المنهج الإسلامي وعدم مقدرة المحدثين على استيعاب كل جوانبه وأبعاده.
6ـ تأكيد إسلامية المعرفة العلمية وبيان ضرورة ذلك لتقدم المجتمع الإسلامي وتمكين العقلية الإسلامية من المشاركة في الإبداع الحضاري بنصيب يتناسب مع مجد أمتنا ومكانتها السامية في تاريخ العلم والحضارة.
هذا هو لب ما ننشده وندعو إليه باسم " نظرية العلم الإسلامية " وفق منهاج إسلامي رشيد يضمن مواصلة التقدم العلمي والتقني, ويعيد للتفكير العلمي لدى البشر طبيعته الحقة بوصفه موضوعيا عن الحقيقة أينما وجدت, يعلو على كل ضروب الهوى والتحيز, ويزن كل شيء بميزان واحد هو ميزان الإسلام.
وإذا كانت الصياغة النهائية لنظرية إسلامية في العلم والتقنية والشهود الحضاري لم تتوفر بعد, فإن هذا لا يمنع من مناقشة قضايا الفكر العلمي في ضوء ملامحها الرئيسية التي أرشدتنا إليها نصوص القرآن الكريم وأحاديث الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم, وفي إطار خطوطها البعيدة المنبثة في تراث الأجداد من علماء الحضارة الإسلامية, وعلى هدي شموعها التي أضاءتها اجتهادات العديد من المفكرين الإسلاميين على مر العصور, دونما إغفال لحقائق العصر وآمال المستقبل.
على أن صياغة مثل هذه النظرية يجب أن تتم في إطار نظرية أعم يستعين بها المسلمون على تغيير واقعهم وتطويره بمعايير الإسلام وأدواته في التغيير والتطوير, وينظرون من خلالها النظرة الإسلامية الرشيدة لقضايا الكون والحياة, ويواجهون بها كل ضروب التحدي الوافد أو الموروث, وتكون في الوقت نفسه بيانا لغير المسلمين بالإسلام وخصائصه التي تعلق عليها البشرية آمالها في الخلاص من حالة القلق التي تعاني منها الحضارة المادية المعاصرة, وعندئذ سيكون لها أجل الأثر في تصحيح وجهة العلوم لدى عقلاء العالم ومفكريه إذا ما درسوا الإسلام في حقائقه, واستفادوا منه في إصلاح شئون حضارتهم.
إن مبادئ الإسلام السامية وقيمه الهادية ومنهجه الرشيد هي أفضل المعايير التي تحدد للإنسان ما يجوز فعله بالمعلومات التي جمعها, والقوانين العلمية التي اكتشفها والتقنيات الجديدة التي يطورها ويستخدمها, وفي هذه الحصيلة الإيمانية للمعرفة تكمن القوة الدافعة للإنسان نحو حب الخير والحق والجمال, ويتحقق إنقاذ هذا العالم الممزق المتناحر والمهدد بالدمار بين لحظة وأخرى إذا ما أساء استخدام الإنجازات العلمية والتقنية بمعزل عن القيم الإيمانية الهادية.
ويبقى أن نؤكد على أن خيوط هذه النظرية الإسلامية لا تزال بحاجة إلى نساجين مهرة في كل علم وفن, وإلى أن يأذن الله بمجيئهم, يجب علينا أن نهيء لهم النول الصالح, وأن نعد لهم خيوط الغزل من القطن والصوف والحرير